:::…روايـــــــــة صحبــــــــة الاقــــــــدار…:::

 

مكان يكسوه الخشب…اعمدة…طاولات…كراسي…ابواب…كل ماوجد بني اللون…
الاضاءة خافتة…اصوات…ضجيج…ازعاج…صراااخ…فجأة…صوت ينادي…لكنه لم يكن واضحا…
الصوت يعلى…ويعلى…يبدو كأنه مرتين…لا بل ثلاث…لحظة…وهلة…يبدو لي انه اسمي…لكن…من هو المنادي…وما الذي يريده…
ولماذا استطيع سماعه ولا استطيع روؤيته…اين انا ياترى…” علي…هل تسمعني؟؟!!”…”يا علي…استيقظ..!!”
ياترى من هذا…لماذا صوته اصبح قريب بعد ماكان بعيد… اجل اجل…انا في فارس…لكن لماذا؟؟؟…في فارس؟؟!!…

” ياعلي…ياعلي…ارفع رأسك…هل تسمعني “؟؟؟

لقد تذكرت…كنت في طائرة…مسافرااا…مسااااافراااااا…كنت مساااااافرااااا…لقد كنت مسافر…و…ثم…الطائرة سقطت…الطائرة وقعت…!!
وبصوت عالي وفزع…”الطائرة ارتطمت ب” …فتح علي عيناه…التفت يمنة ويسرة…شخص امامه…
وعلى يمينه طاولة طويلة وعالية…ثلاثة جالسين اعلى من الجميع…وفي الجهة الاخرى…اناس جالسين…يبدو لي كأنهم جمهور…
لا لا انهم بعض عساكر…من ملابسهم…

“ياعلي…هل تسمعني…تم اصدار الحكم…”…”ياعلي… لقد تم الحكم عليك بالاعدام!!!”

ذهول…صدمة…استغراب…الصمت يطغوا المكان…الكل ينظر الي…منهم من انزل رأسه…ومنهم من ادار رأسه…ومنهم من ابتسم!!…

“ياعلي…هل لديك ماتود قوله…ياعلي…هل هناك ماتود قوله…ياعلي…هل هناك امر تود توضيحه…!!!”

علي ينظر للذي يتحدث اليه…وبدون ان ينطق بحرف…انزل القاضي رأسه…وقال “رفعت الجلسه”…
اتو اثنين من وراء علي…صفدوا يديه…واخذوه معهم…وعلي لم يتكلم ب اي كلمة…سكوت…صمت…بلا اي ردة فعل…

وفي الممر الى الزنزانة…
احد السجانين… “هل هذا واعي لما يحصل له؟؟؟”…”تم الحكم عليه بالاعدام…وهو صامت…أيعي ماهو فيه الآن؟؟!!”
” ربما يظن انهم ليسوا ب منفذين الحكم عليه…او سيتم التنازل عن القرار…بحكم انه من الخليج…”
“هذه فارس يا عزيزي…وليست الخليج…” تبعتها قهقهات…وعلتها ضحكات…سمعت صداها في الممر…

صحى علي من صدمته…يقاوم…يريد تحريك يده…رجله…”الى اين…الى اين انتم آخذيني؟؟!!…انا لم افعل شئ…انا لم افعل شئ…لماذا الاعدام…لماذا…لم افعل شئ…والله مافعلت شئ…والله مافعلت ش…”
“اصمت ياهذا…ليس من حقك ان تتكلم…تمت ادانتك…وتم الحكم…انك ظالم…مجرم…قاتل الابرياء…الاسلام بريئ منك ومن هم على شاكلتك!!!…”

لم يفهم علي ولم يستوعب ما قيل له…اخذ يفكر…ويحاول ان يسترجع الذكريات وما الذي حصل له…رفع عينيه…مكان مظلم… تخللتها اصوات مفاتيح…قفل فتح…صوت باب حديد يدفع…الاصفاد فتحت…اليدان تحرروا…دفعة من الظهر…كاد يسقط من اثرها…
“هذا قدرك…هذا مكانك…ايها الظالم…حتى يأتي يومك…ويتم الحكم…وهو حكم الله فيك…”

التفت علي ينظر لما حوله…ظلام دامس…لايكاد يرى رجليه…ضوء خافت…من اعلى الحائط…يبدوا انه من الخارج…او فتحة التهوية…بقعة منارة…في زواية…

ذهب علي وجلس بجانب الضوء…جلس على الارض…في الركن…يفكر…”اعدام؟؟…اعدام؟؟!!…اعدااام؟؟!!!”

“والله لم افعل شيأ…والله ما اخطأت…لم اقتل…لم اسرق…لم اظلم…والله ما اخطأت في حق بشر…ويقال لي ظالم…قاتل…يا الهي ما الذي يحصل لي…ياربي اعني…” واستهل بالبكاء…

بعد ما هدأ…
لمح شئ غريب على يساره…التفت…ركز…تمعن…رأى انها رسم…على الحائط…في زنزانة…

رأى…باب…امامه يبدوا وكأنها حديقة…وبها اطفال يلعبون…
سرح علي…واخذه سرحانه وتذكر اصدقائه…وطفولته…في دار الايتام…

 

ماما حليمة ماما حليمة…قولي لنا القصة…اية قصة؟!…تلك اللتي وعدتينا بها…عن الصبي الذي وجدتيه تحت الانقاض…خلال الحرب…
‎اجل اجل تذكرتها…حسنا…ليأخذ كلا منكم مكانه…سأحضر كوب القهوة…حتى اكون جاهزة لروايتها…هييييييي ماما حليمة اجمل جميلة…ماما حليمة اجمل جميلة…

‎اطفال لا يتجاوز عددهم ال 10…بدت من ملامحهم البراءة والابتسامة…علاقتهم ببعض اخوة…لكن لاتربطهم اي صلة رحم…جمعتهم عدة امور…ظروف مختلفة…لكن السبب واحد…لايوجد مكأن يأويهم…منهم من فقد ابويه…ومنهم من تم هجره…ومنهم من كان محصلة خطيئة…

‎هييييي ماما حليمة يا اجمل جميلة…ماما حليمة يا اجمل جميلة…احكي لنا قصة طويلة…وغني لنا اغنية بديعة…

‎حليمة…امرأة في اواخر الاربعينيات…قتل زوجها خلال الحرب…وكانت عقيم…طيبة…حنونة…ابتسامتها لاتفارقها ابدا…

‎هيا يا ابنائي اجلسوا…حان وقت القصة…

‎هدووووء عم المكان بعد ماكان ممتلئ ب الهتافات…لهفة…شوق…متعة…ابتسامة غطت ملامح الاطفال…
‎جلست حليمة كا عادتها في كل قصة على كرسيها الخشبي… والاطفال حولها جالسون على الارض…

‎وااااااء وااااااااء…هكذا بدأت حليمة القصة…
‎وااااااء واااااااء…يا خديجة ياخديجة ابنك يبكي…الا تسمعين؟!…انظري ماخطبه…رأسي يكاد ينفجر…لا استطيع فتح عيني…ارغب بالنوم…

‎آآآآه آآآآه…حححح … ححح ليم … حححليمة…”
‎حليييييييمة…” صوت من بعيد…

‎لماذا صوت خديجة هكذا…لماذا انا مبللة…وكأنني في بركة ماء…آآآه رأسي يكاد ينفجر…اريد ان ارتاح…

‎فجأة…
‎بوووووووووووووم…انفجار مدوي…هز المكان…فتحت خديجة عينيها بسرعة…نظرت لما حولها…حطام…حطام…لا سقف ولا حائط…كل ماحولها اصبح حطام…

‎”خديييييييييييجة خديييييييييييجة…”صاحت حليمة وصرخت بكامل قوتها…

‎انها الحرب…صواريخ العدو…يا الهي…اين انتي ياخديجة…اختي…اي انتي؟!
‎كل ماحولي تم مهاجمته…اين قريتي…اين انتم جميييييييعا…وانهارت بالبكاء…
‎لا استطيع ان ارى من الدموع…لا استطيع ان ارررر!!!…هذه ليست بدموع…انها من رأسي…وغطت وجنتي…وضعت حليمة يدها على رأسها…ورأت كفها…اذا بيدها ملطخة بالدماء…
‎انزلت عينيها اتجاه جسدها اذا بثيابها كلها دماء…

‎حححليييييمة…ححلييييمة” صوت من بعيد…هذا صوت خديجة…اخذت حليمة تركض اتجاه الصوت…هناك قطعة كبيرة من بقايا الحائط…وتحتها يبدو لي وكأنه قطعة قماش…اقتربت اكثر واكثر…انها يد…تحت الحائط…”ححليييمة”…خديجة اختي اين انتي…هنا…اني ارى رجليك…لم تعلم خديجة ماهي بفاعلة…صعقت…اخذت تحاول رفع القطعة وهي تصرخ وتبكي…خدييييجة…
‎واااااااء وااااااء…فصل الوضع بكاء وضيع…حليمة…ابحثي عن الطفل…حليمة ابحثي عن الطفل…وكيف اتركك وانتي بهذا الحال يا خديجة…الطفل الطفل…ابحثي عن الطفل…ياحليمة…ان اباه اباه هو الذي!!!…كحححح كحححح…
‎وااااااء…واااااااء…
‎التفتت حليمة يمنة ويسرة…لمحت طفل من بعيد…ذهبت اليه راكضة…وعندما اقتربت…لم تستطع ان تتحمل ما رأت…قطعة دماء…ووسطها طفل رضيع…اخذت بالبكاء…لم تستحمل ما رأت…وسط بكائها تداخل صوت ارغمها بالسكوت…صوت لم تتوقع ان تسمعه…انه صوت الرضيع…بسرعة بحثت ولهفت…وجدته… بين حائطان…واقعان…بينهم فتحة…لايكاد يرى سوى رأسه…اخذت تنفض الغبار من وجهه…لحظة…من هذا؟!…انه ليس ب ابن اختي…ما الذي اتى به هنا!!!!…لماذا لاااااااااااااااااااااااااااا…اسرعت للطفل الملطخ بالدماء…تفحصته مسحت الدماء من وجهه…انه ابن اختها…قتل…في الحرب…بأي ذنب قتل…بأي حق…انه لايعي مايقول ولا مايفعل…لماذا يتحمل ذنب غيره…اين الرحمة…اين الانسانية…خديجة…اجل خديجة اختي…خديييجة خدييييجة…انها لاترد…اختي لاترد علي…يااختي ردي علي…اني احتاجك…اني احتاجك جنبي…

‎بعد ما هدأت…وكفكفت دموعها…نظرت الى الطفل الذي بجانبها…ونظرت الى حالها…وقالت…لا اعلم ما انا بفاعله…
‎من هذا الطفل…وما الذي اتى به الى هنا…وكيف وصل لبيتي…

‎”كححححح…كحححح”…”ححححليييمة”…

 

“ححححححححليييمة…كححح كحححح حلييييييمة” صوت خديجة…

رفعت رأسها حليمة…ونظرت اتجاه اختها…تحت الحائط…الذي لا يرى منه سوي يد خديجة…

وصاحت بصوت عاااالي…”خديييييييييجة اختيييييييي…”
واخذت تركض باتجاهها…

ومسكت حليمة بيد اختها خديجة…

وقالت حليمة ودموعها تنهمر لسماع صوت اختها بعد ما كانت تعتقد انها ماتت…”خديجة…خديجة…ارجووووك لا تتركيني لوحدي…”

قالت خديجة…”لم يتبقى لي من الوقت الكثير…فا انا في حالة يرثى لها…و اود ان اقول لك شيئ بشأن هذا الطفل…”

قاطعتها حليمة وقالت…”لا تنهكي نفسك…سأخلصك من هذا الحائط…انتظري سوف ابحث عن من يساعدني…”

قالت خديجة…” حليمة…اصمتي…ودعيني اكمل…”

قالت حليمة…”لا لا لن اصمت…ولن ادعك بهذا الحال…”

قالت خديجة…” ما سأقوله لكي مهم جدا…واهم من حياتي…يهم مستقبل العالم…فا استمعي لي جيدا…”

قالت حليمة…”حياتك اهم شيى عندي…انا…ولن استمع لك…فا انتظريني هنا…”

قامت حليمة…واخذت بالبحث وهي تجري…في ارجاء القرية…تبحث عن من يساعدها في رفع الحائط عن اختها…رجال اقوياء…من اهل القرية…

لكن كان هناك ماهو لم يكن بالحسبان…

كانت الرياح قوية…والغبار غطى المكان…واصبحت الرؤوية ضعيفة…فلم تكن بالاستطاعة البحث…

لكنها لمحت ظل من بعيد…يبدوا وكأنه بشر…فا سارت ب اتجاهه…لعله يساعدها لانقاذ اختها…

وهي تمشي في اتجاه الظل…وكانت تواجه صعوبة…لدخول الغبار في عينيها…والتصاق حبات الرمل في وجهها…لانه كان مغطى بالدماء…والدموع…

وعندما اقتربت قليلا…فجأة توقفت حليمة من مسيرها…احست ب ان مستوى الارض ارتفع…وبعدها انخفض…او انها وضعت رجلها على شيأ ما…وبدت الارض وكأنها ليست مستوية…

انزلت عينيها لترى…لمحت قطع ملابس…ملونة…ولكنها لم تستطع التركيز…لوجود الغبار في عينيها…

مسحت الغبار من عينيها…واذا بها تسمع محادثة بين بشر…
“هل تم تجميع الجثث…”…
“نعم ياسيدي…”…
“وهل تم تأكيد العدد…”…
“نعم ياسيدي…لكن هناك عدد 3 من الرجال لم نستطيع ايجادهم”…
“ماذااااا…وكيف حصل ذلك…هل لديكم اي معلومات من هم هؤلاء الثلاثة…”…
“لا ياسيدي…لكن وصلتنا معلومات ان الثلاثة شوهدوا ومعهم رجل ليس من هذه القرية…وكان يتقدمهم…ويبدوا عليه رجل دين…”…
“ابحثوا لي عنهم جيدا…واريد معلومات عنهم…وعن اسمائهم…”…
“امرك سيدي…وماذا عن هذه الجثث للذكور المرميه على الارض…ماذا نصنع بها…”…
“احشوها ب القنابل…و اوزعوهم في ارجاء القرية…وفجروها…لنبعد الشبهات…لا نريد لاحد ان يعلم ما سبب وجودنا هنا…”

لم تصدق حليمة ما سمعته…لوهلة…توقف تفكيرها…وانزلت عينيها عند رجلها…لترى…
وجدت قدمها على جثة…من جثث…مغطاة بالدماء…مقطعة…مشوهة…منها بلا رأس…ومنها بلا يد…ومنها بلا رجل…منتشره حولها…

كادت تصرخ…لفزعها…لكنها غطت فمها بيديها كي لا يسمعها الجنود…
” ماهذا الصوت…يبدوا ان احدا هناك…اذهب انظر ماذا هناك…”…قال الجنود…

توقف عقل حليمة…وتوقفت رجليها عن الحركة…ارادت الهرب…لكنها لم تستطع…رجليها لم يطيعانها…اخذت تضرب رجليها…وهي ترى الجنود قادمين اليها…وهم يقتربون منها اكثر واكثر…وهي بلا حراك…

“توقف مكانك…والا سوف نرميك بالرصاص…” قال الجندي…

هنا علمت حليمة…انها سوف تقتل…وقالت “عندما اقتل…كيف سأنقذ اختي…وماذا عن الطفل…من سوف يحميه…يا رب…يا الله…ارجوك انقذني…لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين…”

اقترب الجندي من حليمة…وهو مشهر بمسدسه اتجاهها…وهي بلا حراك…

وعندما نظر في وجهها…قال…”انتي امرأه!!!…ما الذي تفعلينه هنا…؟؟”

لم تستطع حليمة ان تتكلم من صدمتها…اخذ الجندي يردد عليها ما سبب وجودك هنا عدة مرات…لكنها لم تنطق بكلمة…

قال لها الجندي…”لن اوؤذيك…لكن قولي لي ما الذي اتى بك الى هنا؟؟…”
تلفظت حليمة ب “اخخخختيييي سقططططط انقذذذذذ حااااائططط “
قال لها الجندي…”ماذا؟؟؟”
اجابت حليمة…”اخخخخختي سوووف تمووووت…اوووود انقاذذذذها…سقط عليها الحاااائط…”

ابتسم الجندي…في وجه حليمة…وابدت حليمة استغرابها من الامر…ليس بسبب الابتسامة…وانما علامة في وجهه…بدت لها وكأنها ش…….

فجأة…
رفع الجندي المسدس…اتجاه حليمة…
وقال لها مبتسما…” يا لك من حمقاء…” واطلق النار…

 

 

 

وان شاء الله يتبع…والله العالم متى

والرواية تتكون من ٨ اجزاء…

وهذا بداية الجزء الاول…

وان شاء الله ربي يقدرنا انخلص الرواية…

والحين وصلت نصف الجزء الثاني…

والله المسهل…

وان شاء الله تستفيدون منها…فهي ليست مجرد قصة…طبعا جميع الحقوق محفوظة ولا اسمح لأي احد نسخ او نقل هذه الرواية…

Leave a Reply